ابن الجوزي
281
صيد الخاطر
يسر مقلته ما ضر مهجته * لا مرحبا بسرور عاد بالضرر ثم تصير الثانية كالأولى ، وتطلب النفس ثالثة وليس لهذا آخر ، بل الغض عن المشتهيات ، ويأس النفوس من طلب المستحسنات ، يطيب العيش مع المعاشر . ومن لم يقبل هذا النصح تعثر في طرق الهوى وهلك على البارد . وربما سعى لنفسه في الهلاك العاجل ، أو في العار الحاضر ، فان كثيرا من المستحسنات لسن بصيّنات ولا يفي التمتع بهن بالعار الحاصل ، ومنهن المبذرات في المال ، ومنهن المبغضة للزوج وهو يحبها كعابد صنم . وأبله البله الشيخ الذي يطلب صبية . . ولعمري إن كمال المتعة إنما يكون بالصبا كما قال القائل : ( فقلت بنفسي النشأ الصغار ) ومتى لم تكن الصبية بالغة لم يكمل بها الاستمتاع ، فإذا بلغت أرادت كثرة الجماع والشيخ لا يقدر . فان حمل على نفسه لم يبلغ مرادها ، وهلك سريعا . ولا ينبغي أن يغتر بشهوته إلى الجماع فان شهوته كالفجر الكاذب . وقد رأينا شيخا اشترى جارية فبات معها فانقلب عنها ميتا ، وكان في المارستان شاب قد بقي شهرين بالقيام فدخلت عليه زوجته فوطئها فانقلب عنها ميتا . فبان أن النفس باقية بما عندها من الدم والمني فإذا فرغا ولم تجد ماء تعتمد عليه ذهبت ، وان قنع الشيخ بالاستمتاع من غير وطء فهي لا تقنع فتصير كالعدوّ له فربما غلبها الهوى ففجرت أو احتالت على قتله ، خصوصا الجواري اللواتي أغلبهن قد جئن من بلاد الشرك ففيهن قسوة القلب . وقبيح بمن عبر الستين أن يتعرض بكثرة النساء ، فان اتفق معه صاحبة دين قبل ذلك فليرع لها معاشرتها ، وليتمم نقصه عندها تارة بالانفاق ، وتارة بحسن الخلق ، وليزد في تعريفها أحوال الصالحات والزاهدات ، وليكثر من ذكر القيامة وذم الدنيا . وليعرّض بذكر محبة العرب فإنهم كانوا يعشقون ولا يرون وطء المعشوق كما قال قائلهم : انما الحب قبلة * وغمز كف وعضد « 1 » انما العشق كذا * ان نكح الحب فسد « 2 »
--> ( 1 ) كذا في الأصل والأصح : ما الحب الا قبلة . . . ما الحب الا هكذا . . . ( 2 ) ذلك ان الحب ليس الا رغبة في النكاح ، مهما زوقه الشعراء ، فان تم المراد بطلت الرغبة ، وممن هنا تبين أن الحب الشريف أو العذري ، لا وجود له ، وكل حب غايته النكاح . انظر تفصيل الكلام في الحب في كتابي - صور وخواطر .